سيد محمد طنطاوي

578

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والنفخ لغة : إخراج النفس من الفم لإحداث صوت معين . والصور : القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل - عليه السلام - نفخة الصعق والموت ، ونفخة البعث والنشور ، كما قال - تعالى - : ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ ومَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّه ، ثُمَّ نُفِخَ فِيه أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ « 1 » . والمعنى : وتركنا يأجوج ومأجوج يموج بعضهم في بعض . وأمرنا إسرافيل بالنفخ في الصور ، فجمعناهم وجميع الخلائق جمعا تاما ، دون أن نترك أحدا من الخلائق بدون إعادة إلى الحياة ، بل الكل مجموعون ليوم عظيم هو يوم البعث والحساب . والمراد بالنفخ هنا : النفخة الثانية التي يقوم الناس بعدها من قبورهم للحساب ، كما أشارت إلى ذلك آية سورة الزمر السابقة . وفي التعبير بقوله : * ( فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً ) * . أي : جمعناهم جمعا تاما كاملا لا يشذ عنه أحد ، ولا يفلت منه مخلوق ، كما قال - سبحانه - : قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ . إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ . هذا ، وهنا مسألة تكلم عنها العلماء ، وهي وقت خروج يأجوج ومأجوج . فمنهم من يرى أنه لا مانع من أن يكونوا قد خرجوا ، بدليل ما جاء في الحديث الصحيح من أن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم قال : ويل للعرب من شر قد اقترب . فتح اليوم من سد يأجوج ومأجوج مثل هذا ، وحلق أي بين أصابعه . ولأن الآيات الكريمة تقول : * ( فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَه دَكَّاءَ . . ) * ووعد اللَّه لا مانع من أن يكون قد أتى . قال الشيخ القاسمي : والغالب أن المراد بخروجهم هذا خروج المغول التتار . وهم من نسل يأجوج ومأجوج - وهو الغزو الذي حصل منهم للأمم في القرن السابع الهجري . وناهيك بما فعلوه إذ ذاك في الأرض من فساد . . » « 2 » . وقال الشيخ المراغي عند تفسير قوله - تعالى - : * ( وكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ) * وقد جاء وعده - تعالى - بخروج جنكيزخان وسلائله فعاثوا في الأرض فسادا . . وأزالوا معالم الخلافة من بغداد . . « 3 » .

--> ( 1 ) سورة الزمر الآية 68 . ( 2 ) تفسير القاسمي ج 11 ص 1414 . ( 3 ) تفسير المراغي ج 16 ص 20 .